الغزالي

39

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

وقد ورد مثل ذلك في شريعتنا ، قال سيّد المسلمين صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن الحق جلّ اسمه : « ولن يتقرب إليّ المتقرّبون بأفضل من أداء ما افترضت عليهم ، ثم لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده الذي يبطش بها » « 1 » . ومحال أن يكون الخالق حالّا / في كل جارحة من هذه الجوارح ، أو يكون عبارة عنها . لكن لما بذل العبد جهده في طاعة اللّه ، كان له من اللّه قدرة ومعونة ، بهما يقدر على النطق باللسان ، والبطش باليد ، إلى غير ذلك من الأعمال المقرّبة « 2 » . ولذلك يقول من أقدر شخصا على أن يضرب بالسيف ؛ ولو لاه لما قدر على ذلك : أنا يدك التي ضربت بها . فهذا ضرب من المجاز ، استعماله حسن شائع غير منكور ، وقد صرّح عيسى - عليه السلام - في هذا النصّ بجهة المجاز ، بقوله : « لأن الكلمة صارت إليهم » . ومحال أن يريد بالكلمة لفظا ذا حروف ، وإنما يريد / بالكلمة ؛ سرّا منه يهبه لمن يشاء من عباده ، يحصل لهم به التوفيق إلى ما يصيرهم غير مباينين للّه عز وجل ، بل يصيرهم لا يحبون إلا ما يحبه ، ولا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، رقم ( 6502 ) . بلفظ : « وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ، وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه . . . » . ( 2 ) قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين : « فأنت ترى أن اللّه تعالى ذكر في الحديث عبدا ومعبودا ، ومتقرّبا ومتقرّبا إليه ، ومحبا ومحبوبا . . . فالحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر . فإذا كان كذلك لم يكن ظاهر قوله : كنت سمعه وبصره ويده ورجله ؛ أن الخالق يكون جزءا من المخلوق أو وصفا فيه - تعالى اللّه عن ذلك - وإنما ظاهره وحقيقته أن اللّه تعالى يسدّد هذا العبد في سمعه وبصره وبطشه ومشيه ، فيكون سمعه للّه تعالى إخلاصا ، وبه استعانة ، وفيه شرعا واتباعا ، وهكذا بصره وبطشه ومشيه » . ا . ه من كتاب : « إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار ، مسائل متعددة في العقيدة تمس الواقع » . نشر دار ابن خزيمة . ص 23 . وانظر : « فتح الباري » ( 11 / 352 ) .